مِنَ الشَّوْقِ فِي أَحْشَاءِ قَلْبي تَعْلَقُ
إِذَا ذُكِرَتْ بَانَتْ عَلَيَّ صَبَابَةٌ
وَدَمْعي فِي الآمَاقِ هَامٍ يُرَقْرِقُ
عَجِبْتُ لِقَلْبٍ كَيْفَ يَحْيَا بِحُبِّهَا
وَفِيهِ مِنَ التَّبْرِيحِ نَارٌ تُمزُّقُ
تَعَلَّقْتَهَا بَكْرًا وَشِبْتَ عَلَى الهَوَى
وَمَازَالَ غُصْنُ العَهْدِ يَهْتَزُّ مُورِقُ
وَمَا هِيَ إِلَّا لَوْعَةٌ بَعْدَ لَوْعَةٍ
تَمُرُّ بِأَنْفَاسِ النَّدَامَى فَتُشْرِقُ
أَلَا لَيْتَ عليا لَمْ تَكُنْ ليَ مَقْصِدًا
وَلَمْ تَلْتَقِ الطُّرْقَاتُ حِينَ نُحَلِّقُ
يَقُولُونَ: صَبْراً وَالصُّدُودُ مَنِيَّةٌ
وَكَيْفَ يَصِيغُ الصَّبْرَ مَنْ هُوَ يغَرْقُ؟
يَمُوتُ الفَتَى مِنْ لَفْحَةِ البَيْنِ حَسْرَةً
وَيَبْقَى رَهِينَ الشَّوْقِ مَنْ يَتَعَشَّقُ
تَقُولُ سَلَا عَنْهَا الفُؤَادُ وَإِنَّمَا
بِأَحْشَائِهِ نَارُ الجَوَى تَتَدَفَّقُ
عَلِقْتَ بِهَا بَكْراً ومَا لَيَّ بَعْدَهَا
سِوَى لَهَفٍ يُضْنِي الحشا ويُمَزِّقُ
إِذَا مَا نَسِيمُ الشَّرْقِ هَبَّ طَلِيلُهُ
حَسِبْتَ بِأَنَّ الرُّوحَ مِنْي سَتُزْهَقُ
أبِيتُ كَأَنَّ النَّجْمَ رَاعٍ لِسُهْدِنا
وَأرْقُبُ أَنْوَارَ الصَّبَاحِ تُفَتَّقُ
فَيَا لَائِمِي فِي حُبِّ عليا أَمَا تَرَى
عِظَامِيَ مِنْ وَجْدِي بِهَا كَيْفَ تَعْتَقُ؟
فَمَا كُلُّ مَنْ يَشْدُو بِحُبٍّ بِمُغْرَمٍ
وَلَا كُلُّ مَنْ يَبْكِي الحَبِيبَ يُصَدَّقُ
وَلَكِنَّنِي صَبٌّ بَرَانِي نُحُولُهَا
وَفِي كُلِّ أَرْضٍ لِي حَنِينٌ مُعَلَّقُ
وأني أخفي الوَجْدَ وَالدَّمْعُ فَاضِحٌ
على الخد يجري حارقاً يترقرقُ
ارُومُ سُلُوًّا عَنْ هَوَاهَا سَفَاهَةً
وَأَنْي بِأَغْلَالِ الصَّبَابَةِ مُوثَقُ
إِذَا لَاحَ بَرْقٌ مِنْ حِمَاهَا تَرَقْرَقَتْ
دُمُوعِي وَبَاتَ الصَّدْرُ بِالآهِ يَشْهقُ
لَعَمْرِي لَقَدْ طَالَ البُعَادُ وَأَجْدَبَتْ
مَرَاعِي الهَوَى لَمَّا غَدَا البَيْنُ يَنْطِقُ
سَقَى اللَّهُ أَيَّامًا لَنَا قَدْ تَصَرَّمَتْ
بِظِلِّ الحِمَى حَيْثُ النَّسِيمُ مُرَقَّقُ
رَعَى اللَّهُ قَلْبًا لَوْ أَرَادَ سَلَامَةً
لَطَارَ إِلَى غَيْرِ الَّتِي فِيهِ تَحْرِقُ
وَلَكِنَّهُ يَهْوَى العَذَابَ بعشقها
وَيَلْتَذُّ فِي أَصْدَادِهَا حِينَ تُغْلِقُ
فَمَا كُلُّ مَنْ ذَاقَ الهَوَى بَاتَ سَالِمًا
وَمَا كُلُّ غَوَّاصٍ مِنَ المَوْجِ يُعْتَقُ
سَأَحْفَظُ هَذَا الحُبَّ رَغْمَ مَنِيَّتِي
وَأُرْسِلُ شَجْوِي فِي البَرِيَّةِ يَنْطِقُ
عَسَى مَنْ يَرَى حَالِي يَرِقُّ لِعِلَّتِي
وَيَعْلَمُ أَنِّي فِي حِمَاكِ مُمَزَّقُ
لَئِنْ غِبْتِ عَنْ عَيْنِي فَأَنْتِ بَصِيرَتِي
وَفِي خَاطِرِي ذِكْرَاكِ دَوْمًا تُحَلِّقُ
مَضَى عُمُرِي وَالشَّوْقُ يَكْبُرُ بَيْنَنَا
وَقَلْبِي بِعَهْدِ الحُبِّ لَا يَتَفَرَّقُ
وَمَا كُلُّ مَنْ ذَاقَ الهَوَى بَاتَ سَالِمًا
بَلِ الحُبُّ يَا مَغْرُورُ سُمٌّ مُعَتَّقُ
تُخَبِّئُ فِي العَيْنَيْنِ سِرًّا حَبَسْتَهُ
وَفِي خَفَقَانِ الصَّدْرِ سِرُّكَ يَنْطِقُ
تَظُنُّ بِأَنَّ الوَصْلَ سَهْلٌ مَنَالُهُ
وَدُونَ لِقَاءِ الدُّرِّ بَحْرٌ مُعَمَّقُ
وَمَا الحُبُّ إِلَّا غُصَّةٌ بَعْدَ غُصَّةٍ
وَأَيَّامُ عُمْرٍ بِالأسى المرِ تنطقُ
عَجِبْتُ لِقَلْبٍ كُلَّمَا لَاحَ بَارِقٌ
مِـنَ الحَيِّ يَسْتَجْدِي اللِّقَاءَ وَيَفْرَقُ
أَلَا لَيْتَ عليا لَمْ تَكُنْ يَوْمَ أَقْبَلَتْ
بِمِشْيَتِهَا البَيْضَاءِ وَالطَّرْفُ يُبْرِقُ
فَأَصْبَحْتَ مَأْسُورًا بِقَيْدِ لِحَاظِهَا
وَكُلُّ فَتًى بِالعِشْقِ يُؤْسَرُ يُرْهَقُ
رَمَتْني بِأَسْهَامٍ ضِعَافٍ نِصَالُهَا
وَلَكِنَّهَا فِي اللَّحْمِ وَالعَظْمِ تَمْرُقُ
فَيَا لَائِمِي فِي عِشْقِ عليا وَلَوْعَتِي
دَعِ اللَّوْمَ إِنَّ اللَّوْمَ لَا شَكَّ يُحْمِقُ
هِيَ الرُّوحُ وَالدُّنْيَا وَكُلُّ مَسَرَّتِي
بأنفاسها خمرٌ بهِ الكون يَعْبَقُ
هاشم الفرطوسي